علم النفس الصناعي والتنظيمي|

يولي علم النّفس اهتمامًا بالغًا برفاه (well-being) النّاس في بيئة العمل، فميدان علم النّفس التّنظيميّ تحديدًا، والّذي يُعرَف على أنّه دراسة السّلوك البشريّ والعمليّات العقليّة في بيئة العمل، يتناول مبادئ السّلوك الفرديّ والجماعيّ والتّنظيميّ لتطبيقها في حلّ مشكلات بيئة العمل[1]. لقد توصّل العلماء في هذا الميدان إلى أنّ الموظّفين الّذين يتمتّعون بالصّحّة والعافية هم أكثر شعورًا بالرّضا من غيرهم، وهم أكثر إنتاجيّة وأفضل أداءً لوظائفهم، وذلك لعدم وجود ما يكدّر صفوهم ويقلقهم ويشغلهم عن أعمالهم. من هنا نجد أنّ الاندماج الوظيفيّ (work engagement) -أحد العوامل النّفسيّة في مكان العمل- من المؤشّرات المهمّة على رفاه الموظّفين؛ فهو حالة ذهنيّة إيجابيّة مشبعة مرتبطة بالعمل، تمتاز بالحيويّة (vigor)، والتّفاني (dedication)، والانغماس (absorption)ـ[2].

يُنظَر للاندماج الوظيفيّ على أنّه النّقيض للاحتراق الوظيفيّ (job burnout). بمعنى أنّ فرص شعور الموظّف المندمج بالاحتراق الوظيفيّ أقلّ من غيره، إلّا أنّهما لا يتناقضان بشكل كامل، فعدم شعور الموظّف بالاحتراق لا يعني أنّه مندمج، وعدم شعوره بالاندماج لا يعني أنّه محترق، بمعنى أنّهما قد يجتمعان في الفرد[3]. أظهرت الدّراسات أنّ الاندماج الوظيفيّ مرتبط بمتغيّرات مهمّة، مثل: الصّحّة النّفسيّة، والدّافعيّة الدّاخليّة (intrinsic motivation)، والأداء الوظيفيّ، والاتّجاهات الإيجابيّة للعمل، ورضا العملاء[4;3]. هذا يعني أنّه لا يؤثر فقط على الموظّف، وإنّما على المنظّمة والعملاء، وهو ما يدفع الكثير من المنظّمات لإيلاء اهتمام كبير به، فهو هاجسٌ للكثير من المنظّمات حول العالم.

الاندماج الوظيفيّ ليس حالة مؤقّتة ومحدّدة، بل هو حالة عاطفيّة-ذهنيّة (affective-cognitive) مستمرّة وواسعة، غير محدّدة بشيء، أو حدث، أو شخص، أو حتّى سلوك، وتُعرّف عناصره الثّلاثة (الحيويّة، والتّفاني، والانغماس) كما يلي[2]:

    • الحيويّة (vigor): وتشير إلى مستوى عالٍ من النّشاط والمرونة النّفسيّة (mental resilience) أثناء العمل، ورغبة الفرد في الاستثمار في عمله، والمثابرة في مواجهة المصاعب.
    • التّفاني (dedication): ويتّسم بالشعور بالأهمّيّة (significance)، والحماس، والإلهام، والاعتزاز، والتّحدّي.
    • الانغماس (absorption): ويشير إلى تركيز الفرد الكامل، واستغراقه العميق في العمل، ويتّسم بالمضيّ السّريع للوقت، والصّعوبة في الانفصال عن العمل.
 

كيف يمكننا فهم الاندماج الوظيفيّ؟

نموذج 1: نموذج الاندماج الوظيفيّ. مستنسخ ومعاد إعداده من[5]

يمكن فهم الاندماج الوظيفيّ من خلال النّماذج العلميّة الّتي تسلّط الضّوء على آليّة عمل الاندماج الوظيفيّ والمتغيّرات الّتي تؤثّر عليه سلبًا وإيجابًا. من هذه النّماذج المدعّمة بالشّواهد نموذج الاندماج الوظيفيّ المستند على نموذج مطالب/موارد الوظيفة (job demands-resources model; JD-R)ـ[5]. حسب هذا النّموذج، المصادر الوظيفيّة والفرديّة (مسبّبات الاندماج الوظيفيّ – work engagement drivers) تقود إلى الاندماج الوظيفيّ، سواءً بشكل مشترك أو منفرد، وهي أكثر فاعليّة إذا ما اقترنت بمستوى عالٍ من المتطلّبات الوظيفيّة. ويؤدّي الاندماج الوظيفيّ إلى مستوى مرتفع من الأداء الوظيفيّ. ليس ذلك فحسب، وإنّما يدفع الموظّفين إلى إعادة تصميم وظائفهم (job crafting) لتتوافق بشكل أفضل مع قدراتهم، ومهاراتهم، ومعارفهم، وهذا يقود لتعزيز اندماجهم بشكل أكبر (انظر نموذج 1).

يُستنتج من الآليّة الّتي يشرحها النّموذج أهمّيّةُ توفير المصادر الوظيفيّة، مثل: الحريّة الوظيفيّة (job autonomy)، وانطباعات وتوجيهات الأداء (performance feedback)، وفرص التّعلّم (learning opportunities)، وأهمّيّةُ المصادر الفرديّة، مثل: تقدير الذّات (self-esteem)، وتنظيم العواطف (emotional self-regulation) في تحقيق الاندماج الوظيفيّ. ولكنّ توفُّرَ هذه المصادر وحدها قد لا يكون كافيًا للوصول للاندماج الوظيفيّ المطلوب، إذ إنّ مطالب الوظيفة العالية تلعب دورًا حيويًّا في عمليّة الاندماج، فالوظائف الّتي تستدعي مجهودًا وعملًا هي أقدر على دمج الموظّف، وذلك شريطة توفّر المصادر الوظيفيّة والفرديّة. بمعنى أنّ متطلّبات العمل العالية في ظلّ توفّر المصادر الكافية أمر مطلوب للاندماج الوظيفيّ[5]. إنّ المنظّمات ملزمة بتوفير وظائف تحفز موظّفيها وتدفعهم للعمل، كما أنّها ملزمة بتمكين موظّفيها ومساعدتهم في توفير المصادر الوظيفيّة وتطوير وتنمية المصادر الفرديّة حتّى تحقّق الاندماج الوظيفيّ لهم.

هل الاندماج الوظيفيّ حالة مستقرّة وثابتة؟

على الرّغم من أنّه يُنظر للاندماج الوظيفيّ على أنّه حالة مستمرّة، إلّا أنّه معرّض للتّذبذب وعدم الاستقرار [2]، فقد يشعر الموظّفون باندماج مرتفع ومنخفض خلال اليوم الواحد، كما أنّ حالة الاندماج لديهم تعتمد على المصادر والمطالب المتوفّرة لهم في ذلك اليوم، لذا فمن المتوقّع أن يتقلّب الاندماج بين مرتفع ومنخفض.

خطأ العامل الواحد:

إنّ من الخطأ الاعتقاد بأنّ الاندماج الوظيفيّ هو العامل الوحيد المؤدّي لبيئة عمل صحّيّة، فالاندماج الوظيفيّ على أهمّيّته، إلّا أنّه لا يتعدّى كونه عاملًا واحدًا من العوامل النّفسيّة في بيئة العمل، فهو مختلف عن الرّضا الوظيفيّ (job satisfaction)، والالتزام التّنظيميّ (organizational commitment)، وسلوك المواطنة التّنظيميّ (organizational citizenship behavior)، والعديد من المتغيّرات النّفسيّة ذات الأهمّيّة الكبيرة. هذه العوامل مترابطة ويؤثّر بعضها على بعض، لكنّها مختلفة ومستقلّة كمفاهيم نفسيّة، والتّركيز على واحد منها ليس ملاذًا بالضّرورة. إنّ النّظرة الشّموليّة لمكان العمل على كونه معقّدًا ومتشابكًا وذا جوانب متعدّدة أقدر على تحسينه وتطويره وجعله مكانًا أفضل للجميع.

التّدخّلات النّفسيّة لتحسين الاندماج الوظيفيّ:

إنّ التّدخّلات النّفسيّة في بيئة العمل تمتاز مجملًا بالتّعقيد الشّديد، ولكنّها ممكنة وفعّالة إذا تمّت وفق ممارسات منهجيّة علميّة تأخذ بعين الاعتبار الأطر النّظريّة النّفسيّة، ومتغيّرات العمل المعقّدة، والممارسات الفضلى. فالتّدخّلات النّفسيّة لتحسين الاندماج الوظيفيّ تركّز على تمكين الموظّفين، وتوفير وتسهيل المصادر لهم، وإزاحة أو تقليل العوائق. ويمكن تلخيص المراحل التي تمر بها تلك التّدخّلات إلى أربعة مراحل:

  1. تبدأ التّدخّلات النّفسيّة عادةً بعمليّة القياس والاستقصاء، وذلك لتحديد الحاجة لمثل هذه التّدخّلات.
  2. إعداد وتصميم وتخطيط التّدخّلات الّتي تتماشى مع بيئة العمل المستهدفة والمستفيدين منها.
  3. تطبيق التّدخّلات ومتابعة عمليّة تنفيذها عن قرب وبشكل مستمرّ للتأكّد من أنّها نُفّذَت كما خُطِّط لها.
  4. تقييم فاعليّة التّدخّلات وأثرها لتقرير نتائجها لأصحاب المصلحة، ولاستخدام نتائجها في إجراء التّعديلات والتّحسينات اللّازمة لتحسين التّدخّلات المستقبليّة.

[1] American Psychological Association. (n.d.). Industrial and Organizational Psychology. American Psychological Association. Retrieved October 7, 2021, from https://www.apa.org/ed/graduate/specialize/industrial.
[2] Schaufeli, W. B., Salanova, M., González-Romá, V., & Bakker, A. B. (2002). The measurement of engagement and burnout: A two sample confirmatory factor analytic approach. Journal of Happiness studies, 3(1), 71-92.
[3] Seppälä, P., Mauno, S., Feldt, T., Hakanen, J., Kinnunen, U., Tolvanen, A., & Schaufeli, W. (2009). The construct validity of the Utrecht Work Engagement Scale: Multisample and longitudinal evidence. Journal of Happiness Studies: An Interdisciplinary Forum on Subjective Well-Being, 10(4), 459–481. https://doi.org/10.1007/s10902-008-9100-y
[4] Bakker, A.B., Demerouti, E. and Sanz-Vergel, A.I. (2014), “Burnout and work engagement: the JD-R approach”, Annual Review of Organizational Psychology and Organizational Behavior, Vol. 1 No. 1, pp. 389-411.
[5] Bakker, A. B. (2011). An evidence-based model of work engagement. Current Directions in Psychological Science, 20(4), 265–269. https://doi.org/10.1177/0963721411414534

الكاتب

  • عضو مجلس إدارة نفس. باحث وممارس في علم النفس الصناعي والتنظيمي. مهتم بتقييم البرامج والكيانات، والقياس النفسي، والتدخلات النفسية في مكان العمل، والدافعية، والملل، والاندماج الوظيفي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Close Search Window
Share via
Copy link
Powered by Social Snap